ابن العربي

828

أحكام القرآن

وقد قال أبو هريرة : نزلت الآية في الصلاة . وقيل : كانوا يتكلمون في الصلاة ، فنزلت الآية في النهى عن ذلك . وروى أنّ فتى كان يقرأ خلف النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فيما قرأ فيه النبي ، فأنزل اللّه الآية فيه . وقال مجاهد : نزلت في خطبة الجمعة ؛ وهو قول ضعيف ؛ لأنّ القرآن فيها قليل ، والإنصات واجب في جميعها . وقد روى أنّ عبادة بن الصامت قرأ بها ، وسئل عن ذلك ، فقال : لا صلاة إلا بها . وأصحّ منه قول جابر : لا يقرأ بها خلف الإمام - خرّجه مالك في الموطأ . وروى مسلم في صحيحه أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إنما جعل الإمام ليؤتمّ به ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا سجد فاسجدوا ، وإذا قرأ فأنصتوا ؛ وهذا نصّ لا مطعن فيه ، يعضده القرآن والسنة ، وقد غمزه الدارقطني بما لا يقدح فيه . المسألة الثالثة - الأحاديث في ذلك كثيرة قد أشرنا إلى بعضها ، وذكرنا نبذا منها ، والترجيح أولى ما اتبع فيها . والذي نرجّحه وجوب القراءة في الإسرار لعموم الأخبار . وأما الجهر فلا سبيل إلى القراءة فيه لثلاثة أوجه : أحدها - أنه عمل أهل المدينة . الثاني - أنه حكم القرآن ، قال اللّه سبحانه : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا . وقد عضدته السنة بحديثين : أحدهما - حديث عمران بن حصين : قد علمت أنّ بعضكم خالجنيها . الثاني - قوله : وإذا قرأ فأنصتوا . الوجه الثالث - في الترجيح : إنّ القراءة مع جهر الإمام لا سبيل إليها فمتى يقرأ ؟ فإن قيل : قرأ في سكتة الإمام . قلنا : السكوت لا يلزم الإمام فكيف يركّب فرض على ما ليس بفرض ، لا سيما وقد وجدنا وجها للقراءة مع الجهر ، وهي قراءة القلب بالتدبر والتفكر ، وهذا نظام القرآن والحديث ، وحفظ العبادة ، ومراعاة السنة ، وعمل بالترجيح واللّه أعلم ؛ وهو المراد بقوله تعالى « 1 » :

--> ( 1 ) الآية الخامسة بعد المائتين من هذه السورة .